سيد قطب
3432
في ظلال القرآن
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ، كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ . فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ . فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ؟ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ . . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ » . . وثمود كانت القبيلة التي خلفت عادا في القوة والتمكين في جزيرة العرب . . كانت عاد في الجنوب كانت ثمود في الشمال . وكذبت ثمود بالنذر كما كذبت عاد ، غير معتبرة بمصرعها المشهور المعلوم في أنحاء الجزيرة . « فَقالُوا : أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا ؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ » . . وهي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلا بعد جيل : « أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا » ؟ كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة ، إنما تنظر إلى شخص الداعية : « أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ؟ » ! وما ذا في أن يختار اللّه واحدا من عباده . . واللّه أعلم حيث يجعل رسالته . . فيلقي عليه الذكر - أي الوحي وما يحمله من توجيهات للتذكر والتدبر - ما ذا في هذا الاختيار لعبد من عباده يعلم منه تهيؤه واستعداده . وهو خالق الخلق . وهو منزل الذكر ؟ إنها شبهة واهية لا تقوم إلا في النفوس المنحرفة . النفوس التي لا تريد أن تنظر في الدعوى لترى مقدار ما فيها من الحق والصدق ؛ ولكن إلى الداعية فتستكبر عن اتباع فرد من البشر ، مخافة أن يكون في اتباعها له إيثار وله تعظيم . وهي تستكبر عن الإذعان والتسليم . ومن ثم يقولون لأنفسهم : « أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ » . . أي لو وقع منا هذا الأمر المستنكر ! وأعجب شيء أن يصفوا أنفسهم بالضلال لو اتبعوا الهدى ! وأن يحسبوا أنفسهم في سعر - لا في سعير واحد - إذا هم فاءوا إلى ظلال الإيمان ! ومن ثم يتهمون رسولهم الذي اختاره اللّه ليقودهم في طريق الحق والقصد . يتهمونه بالكذب الطمع : « بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ » . . كذاب لم يلق عليه الذكر . أشر : شديد الطمع في اختصاص نفسه بالمكانة ! وهو الاتهام الذي يواجه به كل داعية . اتهامه بأنه يتخذ الدعوة ستارا لتحقيق مآرب ومصالح . وهي دعوى المطموسين الذين لا يدركون دوافع النفوس ومحركات القلوب . وبينما يجري السياق على أسلوب الحكاية لقصة غيرت في التاريخ . . يلتفت فجأة وكأنما الأمر حاضر . والأحداث جارية . فيتحدث عما سيكون . ويهدد بهذا الذي سيكون : « سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ » ! وهذه إحدى طرق العرض القرآنية للقصص . وهي طريقة تنفخ روح الحياة الواقعية في القصة ، وتحيلها من حكاية تحكى ، إلى واقعة تعرض على الأنظار ، يترقب النظارة أحداثها الآن ، ويرتقبونها في مقبل الزمان ! « سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ » . . وسيكشف لهم الغد عن الحقيقة . ولن يكونوا بمنجاة من وقع هذه الحقيقة . فستكشف عن البلاء المدمر للكذاب الأشر ! « إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ . فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ . وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ . كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ » . . ويقف القارئ يترقب ما سيقع ، عندما يرسل اللّه الناقة فتنة لهم ، وامتحانا مميزا لحقيقتهم . ويقف الرسول - رسولهم عليه السلام - مرتقبا ما سيقع ، مؤتمرا بأمر ربه في الاصطبار عليهم حتى تقع الفتنة ويتم الامتحان . ومعه التعليمات . . أن الماء في القبيلة قسمة بينهم وبين الناقة - ولا بد أنها كانت ناقة خاصة ذات خصائص معينة تجعلها آية وعلامة - فيوم لها ويوم لهم - تحضر يومها ويحضرون يومهم . وتنال شربها وينالون شربهم .